الغزالي
42
إحياء علوم الدين
قال فإني أنشدك الله . قالت نعم ، فقال لابن الأرقم أتسمع ؟ ثم انطلقا حتى أتيا عمر رضي الله عنه فقال إنكم لتحدثون أنى أظلم النساء وأخلعهن . فاسأل ابن الأرقم . فسأله فأخبره . فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة ، فجاءت هي وعمتها . فقال أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه ؟ فقالت إني أول من تاب وراجع أمر الله تعالى ، إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب ، أفأكذب يا أمير المؤمنين ؟ قال نعم ، فاكذبي ، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب [ 1 ] وعن النواس بن سمعان الكلابي ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النّار كلّ الكذب يكتب على ابن آدم لا محالة إلَّا أن يكذب الرّجل في الحرب فإنّ الحرب خدعة أو يكون بين الرّجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدّث امرأته يرضيها » وقال ثوبان . الكذب كله إثم ، إلا ما نفع به مسلما ، أو دفع عنه ضررا . وقال علي رضي الله عنه : إذا حدثتكم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فلأن أخرّ من السماء أحب إلىّ من أن أكذب عليه . وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم ، فالحرب خدعة فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء ، وفي معناها ما عداها ، إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره أما ماله : فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله ، فله أن ينكره . أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها ، فله أن ينكر ذلك ، فيقول ما زنيت وما سرقت وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله » وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى ، فللرجل أن يحفظ دمه ، وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه ، وإن كان كاذبا